انطلقت الاحتجاجات في سوريا كما في باقي الدول العربية التي تحولت فيها الحركات إلى مشروع لإسقاط النظام كما حصل في تونس و مصر أو يقترب من ذلك كما هو جار في ليبيا و اليمن. هناك منطق عام يسري على كل حالات الاحتجاج في الدول المذكورة و باقي دول المعمور. هناك نزول في البداية للشارع من طرف مجموعة قد تكون محدودة العدد ، تسمى غالبا في سوسيولوجيا الاحتجاجات الاجتماعية بمجموعات كسر حاجز الخوف ، مهمتها إثارة الانتباه إلى القضية و إعطاء انطباع للمتخوفين و المترددين بإمكانية المبادرة. و مهما يكن رد فعل السلطات الأمنية فان هذه المجموعة تنجح في الغالب في مهمتها ، لأن السماح لها بالتظاهر يشجع المترددين على الالتحاق بها، و إن كان هناك تدخلا قاسيا خلف خسائر بشرية أو مادية فإنها تقدم نفسها كضحية لاستبداد السلطة و يجعلها ذلك محط تضامن، و قد تتطور الأمور إلى مواجهة مفتوحة بين المجموعة المحتجة و القوات الأمنية تستقطب تدريجيا و ببطء محتجين جدد من المترددين و الصامتين.
بين حركة الشارع و حركة السلطة الحاكمة يكمن سر المعادلة الصعبة و الحساسة جدا، فخروج الناس للاحتجاج لا يعدو أن يكون أمرا طبيعيا من سنن الاجتماع البشري، و الله عز وجل أشار في كتابه المبين لدفعه الناس بعضهم لبعض لإصلاح الحواضر بعد فسادها، لأن الاطمئنان المصطنع بين الحاكم و المحكومين المبني على النفاق و الخضوع يضعف الفطنة في طبع الحاكم ، و تسول له نفسه التي يسوس بها البلاد الإمعان في التشدد و الإفراط في التعالي عن حقوق العباد. فالاحتجاج أية من آيات الله في بني ادم للتنبيه الغافلين لأمر إقامة العدل و إنصاف المظلومين و الاستجابة للطالبين .
فالسياسة و السلطة فنون لتدبير الحياة العامة، و علوم تعتمد على المعرفة و التدبر ، لكن الحكام في بلاد العرب يحكم جلهم بغير علم و لا كفاية عقل و تعقل، فتجد منهم من تسلط على الحكم فوق ظهر آلة حربية، و منهم امتطى ظهر عصبية قبلية أو عشائرية، فيسوسون الناس و كأنهم رعاع و قطعان أبل. لكن الحكماء من العرب أودعوا أصول الحكم و فصلوا في قواعده تفصيلا في كتب و متون بليغة لتنبيه الغافلين. و من الأمور التي تغيب عن أذهان أهل الحكم ضرورة تثقيف افهماهم في باب طبائع الجمهور و الحشد، و طبيعة كيمياء تفاعل الناس في التجمعات و الحركات، و الأصول الواجبة في سلوك الحاكم الفاضل إزاء رعيته، ليس بغية السيطرة عليهم ، لأن الله عز وجل نبه نبيه المصطفى بأن ذكره بمهمته كبشير و نذير للعباد و ليس كمسيطر عليهم. و لأن الحكم رعاية و المحكومين رعايا فالراعي مسئول عن رعيته أخلاقيا و سياسيا. فالأخلاق أساس الملك، و حين يتصرف الحاكم بمكر و نفاق و مخالفة للعهود إزاء رعيته ، و بتجاهل و استعلاء لمطالبهم تفسد أخلاق الشعب لأن الحاكم قدوة و حكم بين الحق و الباطل، و الحكم ضمانة أخلاقية لما شرعه الله و لما شرعه حكماء البشر من فضائل.
في البلاد العربية أو في جل بلدانها تنصب الدولة نفسها رقيبا على الشعب تحبس أنفاس الناس و تحسبها، تسوسهم بمكر و خداع، فتراهم متوجسين خائفين من بطش حاكميهم ، و تتحول الدولة إلى نظام بوليسي و عصابات أمنية تنكل بالشعب. حينما يطلب الحرية ينال منهم القتل و الحبس ، و حينما يطلب الكرامة تنزل الهراوات و كل أشكال المهانة عليه. فالشعب بين نارين : نار ظروف العيش الصعب الذي يزداد تكلفة يوما بعد يوم، و نار القمع و القهر السياسي للدولة التي ترى في الشعب خادما لها.
فالخيار اليوم بين أن تظل الدولة ضد المجتمع و بين أن تصبح جزءا منه تضع نفسها في خدمة الشعب.سوريا دولة عربية مثل باقي الدول العربية من المحيط إلى الخليج، يعيش فيها الشعب السوري نفس الظروف تقريبا مثل أي شعب عربي آخر. لكن هناك اختلافات بين هذه الدولة و تلك، فليبيا ليست هي مصر و لا تونس هي اليمن و لا سوريا هي المغرب. الفرق يكمن في طبيعة بناء الدولة و تنظيمها.في ليبيا هدم العقيد الدولة و حولها إلى مسخ سياسي، في اليمن حول فارس حكماء العرب عبد الله صالح الدولة إلى تجمع قبلي و عشائري قابل للانفجار في أي لحظة، و في سوريا لا حدود بين الدولة و حزب البعث الذي تحول إلى غول التهم كل شيء، و أصبح كل مولود يولد و كل طير يطير من عضوا في الحزب بالفطرة. من الطبيعي جدا أن ينتفض الناس بعد عقود من الصبر و التحمل، و من الحسنات التي تحسب على الشعوب العربية أن حشودها خرجت للتظاهر سلميا، و لم
























